ابن ميثم البحراني
19
شرح نهج البلاغة
شجر حسن المنظر مرّ الطعم . واطَّلع اليمن : أي غشيها . سيد الون أي : يصير الأمر إليهم والدولة لهم . والقعب : القدح الضخم . وماث الشيء : أذابه . واعلم أنّ الضمير في قوله ما هي إلَّا الكوفة وإن لم يجر لها ذكر في اللفظ إلَّا أن تضجّره من أهلها قبل ذلك وخوضه في تدبيرها مرارا ، وحضورها في ذهنه يجرى مجرى الذكر السابق لها ، وأقبضها خبر ثان لمبتدأ محذوف تقديره : أنا ، ويحتمل أن يكون هي ضمير القصّة وأقبضها خبر عن الكوفة . ونظيره في الاحتمالين قوله تعالى « كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى » ( 1 ) ويفهم من هذا الكلام حصر ما بقي له من البلاد الَّتي يعتمد عليها في الحرب ومقابلة العدوّ في الكوفة . وهو كلام في معرض التحقير لما هو فيه من أمر الدنيا وما بقي له من التصرّف الحقّ بالنسبة إلى ما لغيره من التصرّف الباطل . وأقبضها وأبسطها كنايتان عن وجوه التصرّف فيها أي إنّ الكوفة والتصرّف فيها بوجوه التصرّف حقير بالنسبة إلى سائر البلاد الَّتي عليها الخصم . فما عسى أصنع بتصرّفي فيها ، وما الَّذي أبلغ به من دفع الخصم ومقاومته . وهذا كما يقول الرجل في تحقير ما في يده من الماء القليل إذا رام به أمرا كبيرا : إنّما هو هذا الدينار فما عسى أبلغ به من الغرض ، وقوله . إن لم تكوني إلَّا أنت تهّب أعاصيرك . عدول من الغيبة إلى الخطاب ، والضمير بعد إلَّا تأكيد للَّذي قبلها والجملة الفعليّة بعده في موضع الحال ، وخبر كان محذوف . ولفظ الأعاصير يحتمل أن يحمل على حقيقته فإنّ الكوفة معروف بهبوب الأعصار فيها ، ويحتمل أن يكون مستعارا لما يحدث من آراء أهلها المختلفة الَّتي هي منبع الغدر به ، والتثاقل عن ندائه . ووجه المشابهة ما يستلزمه المستعار منه وله من الأذى والإزعاج . وتقدير الكلام فإن لم تكوني إلَّا أنت عدّة لي وجنّة ألقى بها العدوّ ، وحظَّا من الملك والخلافة مع ما عليه حالك من المذامّ فقبحا لك . وهو ذمّ لها بعد ذكر وجه الذمّ . ولأجل استصغاره لأمرها تمثّل بالبيت : لعمر أبيك . الخبر . ومعنى تمثيله به أنّى على بقيّة من هذا الأمر كالوضر القليل في الإناء ، وهو تمثيل على وجه الاستعارة فاستعار لفظ الإناء للدنيا ولفظ الوضر القليل فيه للكوفة ، ووجه المشابهة ما يشرك فيه الكوفة والوضر من الحقارة بالنسبة إلى ما استولى عليه خصمه من الدنيا وما اشتمل عليه
--> ( 1 ) 70 - 15